السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

2

مفاتيح الأصول

محكي عن أبي الحسن الأشعري وابن فورك والجمهور واستظهره بعض المحققين الثاني أن الواضع هو البشر وأنه اصطلاحي وهو إمّا من واحد أو جماعة وعرفوا غيرهم بالقرائن والإشارات كما في تعلم الأطفال اللغات وهذا القول محكي عن أبي هاشم الجبائي وأصحابه وجماعة من المتكلمين الثالث التفضيل بين الألفاظ فواضع البعض هو اللَّه عز وجل وواضع الآخر غيره تعالى وهو محكي عن قوم وهؤلاء اختلفوا فعن الأسفرايني أن واضع القدر المحتاج إليه هو الله تعالى وواضع الباقي غيره تعالى وقيل إنه في الباقي متوقف للقول الأول وجوه الأول قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها لا يقال لا نسلم أن المراد من التعليم المعنى المتعارف لجواز إرادة غيره منه كما أشار إليه العلامة في التهذيب في مقام الاعتراض على من استدل بالآية الشريفة على القول بالتوقيف فقال لم لا يجوز حمل التعليم على الإلهام باحتياجه إلى هذه الألفاظ والإقدار على وضعها لأنا نقول التعليم بالمعنى المتعارف هو الظاهر عند الإطلاق فيجب حمل اللفظ المجرد عن القرينة عليه فيندفع اعتراض علامة على الاستدلال نعم لو كان المستدل في مقام دعوى القطع بالتوقيف ولا يقال إن الدليل أخصّ من المدعى فإن المدعى ثبوت التوقيف بالنسبة إلى جميع أفراد الكلمة من الأسماء والأفعال والحروف والآية إنما دلَّت على ثبوته بالنسبة إلى الأول لأنا نقول هذا غير قادح لعدم القول بالفصل بين الأقسام الثلاثة في ذلك على ما صرّح به جماعة فإن قلت القائل بالفصل موجود وهو أصحاب القول الثالث قلنا هم لم يفصّلوا بين الأقسام الثلاثة على ما أشار إليه المحقق الشريف حيث قال في شرح قول العضدي وهو ظاهر في أنه الواضع للأسماء دون البشر فكذلك الأفعال والحروف يكون الواضع لهما هو الله تعالى إذ لا قائل بالفصل في اللغات على هذا الوجه وهو أن يكون الأسماء توقيفية دون ما عداها والقائل بالتوزيع لم يذهب إليه وإن أمكن على مذهبه أن يقال انتهى ثم لو سلمنا أنهم فصلوا بينهما فنقول الدليل إنما يكون أخص من المدعى لو أريد من الاسم المعنى المصطلح عليه بين النحاة وهو ممنوع فإنه اصطلاح خاص لا يحمل عليه خطاب الشارع بل المراد المعنى اللغوي وهو العلامة وهو يشتمل الأفعال والحروف لكونهما علامات على معانيهما كالمعنى المصطلح عليه في العرف العام وهو مطلق اللفظ الموضوع على ما ذكره البيضاوي سلمنا عدم إرادة هذا لكن نحمله على العرف العام ولا يقال لا نسلم أن المراد من الأسماء اللغات بل غيرهما كما أشار إليه العلامة فقال لا يجوز حمل الأسماء على الصفات مثل كون الفرس للركوب والثور للحرث لأنها علامات لأنا نقول يدفع هذا أصالة عدم التخصيص فإن المعنى اللغوي يعم الجميع ولا دليل على تخصيصه بالبعض فيدفع بالأصل هذا على تقدير تقدم اللغة وأما على تقدير تقدم العرف العام فيدفعه أصالة عدم التجوز فإن قلت القرينة عليه موجودة وهي قوله تعالى ثم عرضهم على الملائكة لأن الضمير راجع إلى معنى الأسماء لعدم سبق غيره ولو كان ذلك اللغات لمّا صحّ الإتيان بالضمير المختص بمن يعقل بل كان اللائق أن يقال ثم عرضها قلنا لا نسلم أن مرجع الضمير معنى الأسماء بل غيره إذ لو كان المرجع معنى الأسماء لكان اللائق أن يقال ثم عرضها وأن فسّر بالصّفات فإن قلت يجوز أن يراد من الأسماء ما يصح إرجاع ذلك الضمير قلنا يدفعه قوله تعالى كلها ولا يقال لا يلزم من التعليم ثبوت القول بالتوقيف لجواز تعليم آدم عليه السلام ما اصطلح عليه غيره ممن تقدم أو تأخر ولا ينافي هذا عموم الجمع كما لا يخفى ولجواز تعليمه غير هذه اللغات الموجودة ولا ينافيه أيضا عموم الجمع لجواز حدوث هذه اللغات بعد آدم عليه السلام لأنا نقول هذه الاحتمالات خلاف الظاهر فلا يصار إليها ويدفع خصوص الأول أصالة عدم تحقق لغة قبل آدم عليه السلام وما قيل من أن القوم المتقدمين عليه الواضعين لهذه اللغات إن كانوا أناسا فيظهر وإلا يلزم أن يكون أناس قبل آدم وإنه باطل وإن لم يكونوا أناسا بل غيرهم ممّن يصلح للوضع فوضع اللغات منهم باطل عقلا إذ الحيوان الناطق لا يكون غير الإنسان وفي كلا الوجهين نظر ولا يقال الآية الشريفة لا تشمل اللغة العربية لما اشتهر أنها حدثت في زمان إسماعيل عليه السلام وأن العرب من ولده لأنا نقول قد منع هذا بعض المحققين وقال إنه من المشهور الذي لا أصل له إذ الحميريون والعمالقة وجرجم وقوم ثمود وعاد كلهم من العرب وقد كانوا قبل إسماعيل بمدة متطاولة وقد ورد في الأخبار أن أول من تكلم بالعربية آدم انتهى ويؤيد الاستدلال بالآية الشريفة ما عن علي بن الحسين عليه السلام في معنى الآية علمه أسماء كل شيء وفيه أيضا أسماء أنبياء اللَّه تعالى وأوليائه وعتاة أعدائه وما في تفسير علي بن إبراهيم علمه أسماء الجبال والبحار والأودية والنبات والحيوان وما عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأكثر المتأخرين علمه جميع الأسماء والصّناعات وعمارة الأرضين والأطعمة والأدوية واستخراج المعادن وغرس الأشجار ومنافعها وجميع ما يتعلق بعمارة الدين والدنيا وما عن أبي علي الجبائي وعلي بن عيسى وغيرهما علمه أسماء الأشياء ما خلق وما لم يخلق بجميع اللغات التي يتكلم بها ولده وما عن أبي ذر الغفاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال قلت يا رسول الله